فخر الدين الرازي
318
المطالب العالية من العلم الإلهي
التعين ، إنما حصل بسبب منفصل ، وذلك السبب المنفصل . إما موجب وإما مختار . والأول باطل . لأن نسبة الموجب إلى الكل على السوية . وعند الاستواء في النسبة ، يمتنع حصول الرجحان والاختصاص « 1 » فوجب أن يكون [ فاعلا « 2 » ] مختارا . وكل ما كان فعلا لفاعل مختار ، فهو محدث ، فالأجسام محدثة . الحجة الثامنة : قال بعضهم : « الأجسام متناهية في المقدار ، وكل ما كان كذلك ، كان متناهي القوة ، فوجب أن تكون قوة الأجسام على البقاء : متناهية . وكل ما كان كذلك ، فإنه يمتنع كونه أزليا » أما قولنا : إنها متناهية المقدار ، فلما ثبت في باب تناهي الأبعاد . وأما أن كل ما كان متناهي المقدار ، فإنه يكون متناهيا في القوة : فلما يذكره الحكماء من أن القوة الجسمانية يجب كونها متناهية . وأما النتيجة فظاهرة . واعلم أن دليل الحكماء على القوة الجسمانية يجب كونها متناهية : دليل ضعيف . قد بينا ضعفه بوجوه كثيرة . وأيضا : فالحكماء يقولون : العالم أزلي أبدي ، لا لقوة ذاتية بل لقوة علّته ومبدئه . وهو منزه عن كونه جسما أو جسمانيا [ واللّه أعلم « 3 » ] الحجة التاسعة : ما سوى الواحد ممكن ، وكل ممكن محدث ، فما سوى الواحد محدث [ بيان الأول من وجوه : الأول : إنا نقول « 4 » ] لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ، ومختلفين في التعين ، فكان كل واحد منهما مركبا من الوجوب ومن ذلك التعين . فإما أن يكون الوجوب علة لذلك التعين ، فيلزم : أن يكون كل واجب الوجود لذاته ، فهو ذلك التعين ، فلا واجب وجود إلا ذلك التعين ، وإما أن يكون ذلك التعين ، علة لوجوب الوجود ، وهو محال :
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ط ) ( 4 ) من ( س )